إيمان دعبل

فراشةٌ في دهشة الضوء

أرشيف لـأوراق نقدية في قصيدة "نغم استغفار"

الورقة الرابعة ” للشاعر منصور المبارك “

~ نغمُ استغفار ~

 

أغْرَيتَ بوحَ العشقِ في أشعاري

ليُعانقَ الألحانَ في أوتاري

 

فَعَزَفْتُ موسيقى الهيامِ وجوقتي

ناي الشعورِ وخفقتي قيثاري

 

أومأتَ لي فتعرّشّ الشوق الذي

ينمو بصدري وادّلت أزهاري

 

فأتيتُ يركضُ بي هواكَ كطفلةٍ

قد عادَ والدها من الأسفارِ

 

ما زلتُ أركضُ ..لا أراكَ كأنني

مهما نظرتُ ..تكسرتْ أنظاري

 

أحتاجُ عينيكَ / الضياءَ بعتمتي

كيما أصبّ  سناكَ في أقماري

 

ولحُضنكَ الحاني يضُمّ مخاوفي

ويُهدهدُ الجيشانَ في أغواري

 

ويديكَ تلقفني بلحظةِ عثرتي

وتخيطُ ما قد مزقتْ أقداري

 

أحتاجُ تؤمنُ بي ..بصدقِ نبوءتي

وتباركُ الإلهامَ في أفكاري

 

و وريفُ لُطفك في هجيِر شكايتي

تُرضيك ذلة غربتي في داري؟

 

يُرضيك تيهي وانفراطُ كرامتي

وتبعثري صفراً مع الأصفارِ؟

 

لا مسكناً يأوي شِتاتَ تشردي

وأثاثُ أحلامي نثارُ غبارِ

 

أشكوكَ يا وطني إليكَ ومُهجتي

تَنّورُ حزنٍ والتحسّرُ ناري

 

تقسو على قلبي ..وقلبي لا يرى

إلاكَ شمساً تستبيحُ مداري

 

يا أحمراً كالورد مُجْ بحدائقي

فلكم  سئمتُ ضراوة الصّبارِ

 

يا أبيضاُ كالغيمِ نادمكَ الظّما

أمطِر أماناً بامتدادِ قفاري

 

جنّّحْ بريشِ المكرمات مطامحي

حتى يُحلق للعُلا إصراري

 

من رحمِ تُربتكَ انبلاجي نجمةً

وإليكَ تَسْطَعُ بالسّرى أنواري

 

وإليكَ تشدو بالغناءِ قصيدتي

وكأنما في القافياتِ كناري

 

فإذا تَنَشّزَ بالعتابِ ترنّمي

خُذْ للرّضا نغماً من استغفاري

 
 

أفكر كثيراً لو أن الشاعر ترك ما خوله الله وراء ظهره من طبيعة الإحساس بالغيرة وهي ردف للعيش بالحب .. فالوطن أصبح للجميع سواء إن لم نقل بأنه بدأ بالغريب كما هي عين عذاري.. الحب فيه غرور.. وفيه استملاك.. كما أن فيه إيثار وتضحية..
نكاد نحاول أن نفرق بين هذه العناصر فلا نجد إلا أنها مكونة من ذاتها إن ظهر واحد منها اختفى الآخر وهكذا كتداول الليل و النهار. و كــ(تمازج الترف بالزهد) في بيئة واحدة كتلازم الغنى والفقر.
ذاكرة الشاعر تجاه الوطن مجروحة.. بمعنى أن الشاعر يريد أن يسبح في وطنه فلا يجد عذاري إلا وقد بدلت حبه جفاءً ثم تأخذ عليه في ولائه أنه يعتب وطنه فلا يحبه كما يحب المتنفذ الشاعر الأرض التي سميت له فيبادلها محبةً ملؤها الفرح و النشوة و التشبع فصار يناغي بلابلها و يرى ممدوحته الجميلة هذا الفضاء و البحر الذي ألقى الموج بظلاله عليه.
يذكرني ذلك بقصيدة (الصحيّح) حول الوطن:
وطني تشاغبني عليك عناصري…إلخ
ثم يقول فيما هو مضمونه:
أغلى المحبة ما يكون شجارا

أنا أرى أن الغيرة هي نتاج المحبة.. ومن طبيعة المحب الغيرة و حتى الأشقاء يتنافسون ويتحاسدون على محبة أمهم فكيف لو وجدوا طفلا غريبا لم تلده الأرض و لم يعش في كنفها و لا يمكن أن يضحي لأجلها يجدونه في حجر أمهم! مدللا ومقدما ومبجلا لا (يسال عن شيء وهم يُسألون)!

أعتقد أن الشاعر لو قال غير ما قال فلن نجد الطاقة الشعرية ملتهبة داخل كلماته، فهو صادق مع نفسه، بل إنه أضاف الجديد حين استطاع رغم (الغيرة القاتلة) و (الغبن المتفجر) أن يقشع شيئا من غيم الهواجس و الخواطر و العتابات ليفتح للوطن صفحته المشرقة. إن العزة والكرامة ليست شيئا من سقط المتاع وحين يتنكر عزيزك عليك فإن ذلك الأوجع -كما يقول المثل: ضرب الحبيب أوجع- وإن الفرد منا ليَصبر على جفاء الصديق و الحبيب بقدر ما تقل هذه المحبة وهذه الصداقة.

كما أن شعر الغزل و شعر الإخوانيات يشب بالعتاب كما لا يشب بشيء آخر وكان هذا النقص وهذه النقطة السوداء في الثور الأبيض أساس تكوين هذه القصيدة و أساس الحديث عن كل هذا الوجد و التعلق و المحبة.

عندما يشعر الولد بأن أمه تحبه و تخاف عليه و لا تقدِّم عليه أبناء الجيران وغير الجيران فإن كل هذه المقدمات هي صورة حقيقية من واقع الوطن الذي اكتسب في ذلك كل تراكمات الحقوق والواجبات و العلائق و و المشاعر .. ويكفي أن الأرض وهي تراب هي الأساس الأول للمواطنة فأرض لم تولد فيها.. و لم تعش فيها ولم تمتزج بتربتها ومائها ذكرياتك و أنفاسك لا تستطيع ان تستحضرها الحضور الذي يتألق حين تفترش فيه جلدك وتشم في زوايا رطوبته عرفك.

القصيدة الوطنية قصيدة فارس يترك وراءه وطناً ليموت دونه، يفنى ليعيش بلده، المواطن يكون حمزة هذه الملحمة حيث يعطي ظهره جهة الأم-الوطن ليستطيع أن يواجه الدنيا ويفتخر و يعتز بهويته الوطنية. لا أن يمسك بيده أوراقه الثبوتية ويتلفت إلى من يخترق بالخلف صفوفه يريد أن يلوكها أو يلوك كبده.

لو أن القصيدة اليوم تتحول إلى مقطوعة ربما يستطيع الكاتب أن يعطي كل لون من ألوان الوطن صورته قبل أن تتشبث بروحه معاناته. لا يمكن أن نطلب من المواطن أن يتجرد من جسده ليتحدث عن روحه المجردة (وطنه) من غير أن يكتب بحبر أو يصعد فوق سطر أو يكتب بغير حواسه الخمس. يستطيع الإنسان الشاعر أن يطير قليلا أو يمشي “فوق” الأرض لكننا حتى نعترف له بالشاعرية الواقعية لابد أن نمنحه الفرصة ليضع رجله على الركاب.

 
 

أغْرَيتَ بوحَ العشقِ في أشعاري=ليُعانقَ الألحـانَ فـي أوتـاري
من المعتاد فيما يشبه الطللية في غير الطلل ان يتجه الشاعر إلى الزعم بأن مشاعره المتوقدة تجاه موضوع ما هي التي دفعته لأن يختار الموضوع فتتهاوى تحت ضربات فارسيّته الشعرية كل قلاع المفردات و المعاني و القوافي!
لكن هنا الشاعرة تفتح جدولا من شاعريتها على هذا الموضوع، لا أحكم على هذه الطريقة لكنني قد أزعم أنها توحي بشيء من التكلف تجاه الوطن، أو التوجه إليه بنية الواجب لا برغبة الشغوف، فأن يأخذنا الوطن بالهيام شيء و أن نقود الهيام للوفاء له شيء آخر.
(كأني انقلبت شوي له.. لكن هكذا الشعر ذو وجهين! وكل رؤية لها نسبة من الصحة والخطأ و لها نسبة في التقييم و الاحتمال)
فَعَزَفْتُ موسيقى الهيامِ وجوقتـي=ناي الشعورِ وخفقتـي قيثـاري
توقفت عند: جوقتي ناي الشعور
هل تساوي الجوقة الحسية= الناي الحسي
وهل يصح تذكير (قيثارة)
كلاهما لا أجزم أنني أعرف جوابه.
أومأتَ لي فتعرّشّ الشوق الـذي=ينمو بصدري وادّلت أزهـاري
هذه الإيماءة التي بادلكِ بها الوطن تحقق شيئاً من إثبات الحب المتبادل لكن ما مدى صدق هذه القراءة إذا وضعنا على سنام جمل الوطن مداليل هذه المحبة من باب: إن المحب لمن يحب مطيع. ففي أي شيء أطاعكِ الوطن؟

فأتيتُ يركضُ بي هواكَ كطفلـةٍ=قد عادَ والدهـا مـن الأسفـارِ
(قد) هنا ربما تكون قد أحنت دالة الجملة المنسابة في معناها للصعود حيث ستكون الجملة بدون (قد) أقرب إلى توصيف حالة ركض هواك للوطن فيصبح المشهد متواصلا متحركاً يعمّق صورة الهوى عند الشاعرة/المواطنة في لبوس الإبنة/الطفلة.

ما زلتُ أركضُ ..لا أراكَ كأنني=مهما نظرتُ ..تكسرتْ أنظـاري
الصورة بديعة بديعة. ولو أنكِ أو شاعراً أعاد بناء الصورة من جديد في جبّة تركيب نحوي أسلس لبلغ بها مرتقى عظيماً فلقد تكاثرت الجمل و الأفعال كأنها ريشة هاوٍ يرسم الخط على الخط غير أنه لا يبلغ به الإتقان ان تكون الخطوط مترابطة في أطرافها، لكنها صورة بديعة ركضت فيها إلى المعنى البديع بأسرع مما طاوعك اللفظ.

أحتاجُ عينيكَ / الضياءَ بعتمتـي=كيما أصبّ سناكَ فـي أقمـاري
هل تأخذين النور من عين الوطن لتصبي بها قوالب أقمارك؟
فماذا ستعطين الوطن إذن إذا سلبت شيئا من نوره؟

ولحُضنكَ الحاني يضُمّ مخاوفـي=ويُهدهدُ الجيشانَ فـي أغـواري
إذا كانت (الجيشان) فاعلاً فـ الجيشان ولكن مع كسر النون.. فالكسر لا عدول عنه في جميع الحالات لأنه ليس علامة إعرابية (لأننا نقول في المنصور و المجرور: الجيشينِ) فيكون الإعراب بالألف والياء فقط اما الكسرة فثابتة..
الهدهدة للجيشين.. ام الجيشان هما اللذان يهدهدان؟
أنا أقرأ معنى البيت الشعري بـ: الجيشين.
ثم لا أستطيع ان اتصور هدهدة لجيش او جيشين.. أتخيّل واحد يمسح على رأس وحش!

ويديكَ تلقفني بلحظـةِ عثرتـي=وتخيطُ ما قـد مزقـتْ أقـداري
تقصدين: ويداكِ.

أحتاجُ تؤمنُ بي ..بصدقِ نبوءتي=وتباركُ الإلهـامَ فـي أفكـاري
تقصدين: تؤمنَ & تباركَ
لأنهما فعلان مضارعان يكونان منصوبان بتقدير حذف الناصب.
أحتاج أن تؤمن بي… و أن تباركَ (أو: وتباركَ)

و وريفُ لُطفك في هجيِر شكايتي=تُرضيك ذلة غربتي فـي داري؟
الشطر الأول يتبع انصبابة معنى ما قبله..
لكني أرى أنك فاجأتِ القارئ بالقفز من الخبر إلى الاستفهام بالمضارع بينما المعنى قد يحتاج أكثر للتمهيد..
لا أعرف كيف أعبر عما أقصد لكنني اتصور لو قلتِ:
ترضى بذلة غربتي في داري؟
لكان أجمل.. لأنكِ حينها تتدرجين في صب عتابك على الوطن فلا تتهمينه بسرعة بهذه التهمة العنيفة.. كمن يداري محبة فيعاتبه بالحقيقة لكن يلطفها بالاستفهام الذي يحتمل أكثر مخرج التبرئة.

يُرضيك تيهي وانفراطُ كرامتـي=وتبعثري صفراً مع الأصفـارِ؟
أنا أرى أن الصفر هنا موفق جداً.
لأنه عند الحديث عن الكرامة لا يبقى أي عدد يمكن أن يلتفت إليه الإنسان حتى مع وجود التكريم الحسي.. كقول الشاعر ما معناه:
لا تسقني ….(لا يحضرني هذه اللحظة) بذلةٍ
قم و اسقني بالعز كأسَ الحظلِ

لا مسكناً يأوي شِتـاتَ تشـردي=وأثـاثُ أحلامـي نثـارُ غبـارِ
أنا مع القائل بأن الأفضل لو لوّن الكاتب مطالبه الحسية بالمعنوية او بالوصف المعنوي (غير المباشرة بالطلب). أي أنه يجعل المعنى الظاهر معنويا في الوقت الذي يحتمل المعنى الحسي لأن ذلك أقرب إلى وظيفة الشاعر الروح من الشاعر البدن.. وفي هذا لا ينكث بأي من العهدين (عهدي الروح والبدن).

أشكوكَ يا وطني إليكَ ومُهجتـي=تَنّورُ حـزنٍ والتحسّـرُ نـاري
أنا أرى في (إليك) لطف كبير.. ومحبة عنيفة وعميقة و ذكية تخفف من الملاحظة النقدية التي تتحرش بمعنى ورود المطالب غير المعنوية؟
وبث أثر الشكوى للمشكو منه -إليه فيه دلالة على عمق المحبة وصدق الطوية بالشفافية والمصارعة والتلطف و التظلم و فيه دلالة على التشبث بالوطن حتى آخر نفس وليس حتى آخر أمل في (البخشيش) كما يفعل غير ابن هذه البلدة ببلدتنا.
هذا العتب الشغوف يكاد يرتفع عن معنى العتب.. لكأنّ هذه المعاتبة تفتت بالبوح بقية العتب فلا يكون ذلك (عتاب) و إنما (عتبى). وهذا ما يؤكده في نظري البيت التالي:
تقسو على قلبي ..وقلبي لا يرى=إلاكَ شمسـاً تستبيـحُ مـداري

يا أحمراً كالورد مُـجْ بحدائقـي=فلكم سئمـتُ ضـراوة الصّبـارِ
هذا دمج بين الوصف الرائع وبين الطلب الضائع.
ولو أن الشاعرة كان عندها بصيص أمل في أن هذا (الورد) ربما ربما يتلطف بحدائقها لما استحثته بفعل الأمر.
مع ملاحظة بلوغ رقة الخطاب للوطن حداً يتحول عنده فعل الأمر إلى ما يشبه (الدعاء).. أستغفر الله. . لكن هذه الصورة في الشعر لا بأس بها.

يا أبيضاُ كالغيمِ نادمـكَ الظّمـا=أمطِـر أمانـاً بامتـدادِ قفـاري
نادمَكَ فعل ماضٍ.. أم نادِمُك: اسم وهو مبتدأ؟
تغزل ببياض الوطن/ العلم.. تشبيه لبياض العلم بالغيم>>> ثم الانتقال إلى استمطار كلا البياضين (العطاء “المطر” و الأمان “الأبيض رمز السلام”
لا اخفيكِ قولاً بأن هذا البيت يختزن من الرؤى العميقة /الكثيرة شيئاً أغبطكِ عليه.
توقدت شاعريتك بعنف في هذا البيت وحققت فيه قدرا كبيراً من التوازن اللفظي والمتوازي مع توازن معنوي.. ولم تتركي (خانة) في عروض موسيقى الحروف إلا وقد امتلأت بجرس المعنى والمبنى حتى أن آخر نفَس من البيت لم تهبط طائرته عن التحليق بالإبداع: امتداد قفاري. (لقد ارتبطت الكلمة بالبياض عطاء و أماناً وكل التحليلات التي طرقها ذهني ليجعل في البيت ثغرة باتت بالفشل فانتِ مبدعة مبدعة..)

جنّّحْ بريشِ المكرمات مطامحـي=حتى يُحلـق للعُـلا إصـراري
يقولون بأن اللغة أكثرُها (سياق) و السياق تحكمه البيئة و الزمان و ظروف المتكلم و المتلقي فاعذرينا إذا قلت بأن (المكرمات) تتلاعب في السياق من خارج مساحة الرؤية الفنية.. فهي هدف في غير المرمى .. لأن الكلمة استجلبت من واقعنا السياسي نغمة نشاز تكاد تكون قريبة من (كان أخي و صديقي) و (أجمل أيامنا هو الذي لم نره بعد).

من رحمِ تُربتكَ انبلاجي نجمـةً=وإليكَ تَسْطَعُ بالسّـرى أنـواري
الشاعر في كل العصور حتى لو أوغل في التواضع في نثره إلا أنه مجبول على غمس ذاته بالتقدير في شعره. رائع لكننا أمام الوطن هل أفتخِر بالوطن أم أجعل الوطن يفتخر بي أو أنظر إليه من خلال دلوي؟ هي طلقة أركزتها عندي رؤية المتنبي يمدح نفسه في معرض مديح السلاطين. و في موقف آخر هو رثاؤه لجدته يجعل نفسه في هذا الرثاء مورد الثناء و التقدير فما يصف به جدته مربوط بتفاني جدته فيه لعظمته حتى تختفي جدته من صورة الرثاء فيكون الضوء مسلطا على المعزّى (المرثي)!
لا أدري ما رأيكم لوقلنا:
من رحم تربتك انبلاجة نجمتي=..

وإليكَ تشدو بالغنـاءِ قصيدتـي=وكأنما فـي القافيـاتِ كنـاري
تقصدين (كأنما) .. أم (كأن ما)
والمعنى بـ (كأنما) يقرب من: في القافيات شيء يشبه طائر الكناري
إذا أربكتنا روابط الواوات و الفاءات فلماذا لا نتكئ على غيرها.. كأن نقول:
لكأن ما في القافيات كناري > المعنى: إن الحالة التي صنعها الوطن في قصيديتي (القافيات) لمشابهة لحالة وجود طائر الكناري
(حسب تصوري.. والله أعلم)

فـإذا تَنَشّـزَ بالعتـابِ ترنّمـي=خُذْ للرّضا نغماً من استغفـاري
بعد أن ينفسح المرء عن عتابه لدى من يعزه يعتذر إليه حتى لو لم يكن قد أخطأ في قوله أو تجاوز في حده. وهذا قمة الأدب مع العزيز و المحبوب.. وهو شيء يرفع ما يعتب به من حرج العتاب.

 

 

الورقة الثالثة ” للشاعرة زهراء المتغوي “

~ نغمُ استغفار ~

 

أغْرَيتَ بوحَ العشقِ في أشعاري

ليُعانقَ الألحانَ في أوتاري

 

فَعَزَفْتُ موسيقى الهيامِ وجوقتي

ناي الشعورِ وخفقتي قيثاري

 

أومأتَ لي فتعرّشّ الشوق الذي

ينمو بصدري وادّلت أزهاري

 

فأتيتُ يركضُ بي هواكَ كطفلةٍ

قد عادَ والدها من الأسفارِ

 

ما زلتُ أركضُ ..لا أراكَ كأنني

مهما نظرتُ ..تكسرتْ أنظاري

 

أحتاجُ عينيكَ / الضياءَ بعتمتي

كيما أصبّ  سناكَ في أقماري

 

ولحُضنكَ الحاني يضُمّ مخاوفي

ويُهدهدُ الجيشانَ في أغواري

 

ويديكَ تلقفني بلحظةِ عثرتي

وتخيطُ ما قد مزقتْ أقداري

 

أحتاجُ تؤمنُ بي ..بصدقِ نبوءتي

وتباركُ الإلهامَ في أفكاري

 

و وريفُ لُطفك في هجيِر شكايتي

تُرضيك ذلة غربتي في داري؟

 

يُرضيك تيهي وانفراطُ كرامتي

وتبعثري صفراً مع الأصفارِ؟

 

لا مسكناً يأوي شِتاتَ تشردي

وأثاثُ أحلامي نثارُ غبارِ

 

أشكوكَ يا وطني إليكَ ومُهجتي

تَنّورُ حزنٍ والتحسّرُ ناري

 

تقسو على قلبي ..وقلبي لا يرى

إلاكَ شمساً تستبيحُ مداري

 

يا أحمراً كالورد مُجْ بحدائقي

فلكم  سئمتُ ضراوة الصّبارِ

 

يا أبيضاُ كالغيمِ نادمكَ الظّما

أمطِر أماناً بامتدادِ قفاري

 

جنّّحْ بريشِ المكرمات مطامحي

حتى يُحلق للعُلا إصراري

 

من رحمِ تُربتكَ انبلاجي نجمةً

وإليكَ تَسْطَعُ بالسّرى أنواري

 

وإليكَ تشدو بالغناءِ قصيدتي

وكأنما في القافياتِ كناري

 

فإذا تَنَشّزَ بالعتابِ ترنّمي

خُذْ للرّضا نغماً من استغفاري

 

 

نغم استغفار .. النظرة الدلالية الأولى لا توحي أبدا بأن هذا العنوان قد يكون لقصيدة وطنية ، فلوهلة ما حسبتها نصا صوفيّا أو روحانيا ، أو لعله نداء توبة لشهر رمضان المبارك ، ولكنني عندما دخلت وواصلت السير تكشفت لي مستجدات أسهمت في بلورة اقتناعي بهذا العنوان ، ولكنها لم تكتمل جيدا إلا بوصولي لنهاية الطريق .
وعلى الرغم من أن هذا النص لا يعد من النصوص الأدبية المفتوحة و لن تختلف القراءات كثيرا إلا أنّ زوايا القراءات قد تتعدد و إن اشتركت في الكثير من الانطباعات .
ما وجدته هنا هو مشهد رومانسي جدا ، يقدم فكرة باذخة لمبدأ مطلق ،بحوار هادئ فاخر في عذوبته ، ممعن في اقتحامه و افتتانه و إدهاشه.
و في هذه القصيدة الوطنيّة التي تعتبر أيدلوجيا مدثرة ، ترسم مجتمعا ، و تصدر الأحكام و تحطّم . وكما هو الشأن في كل إبداع أدبي ، فإن الكلمة تصنع السحر ، والقصيدة تعتبر منبرا يطلق أحكاما و يصدر قوانين .
و لأن الكتابة بالنسبة للأديب طريقة متكاملة لتجسيد حضوره ، لذا فإن الواقعية ليست متناسبة ، مع حقيقة العلاقة بين الشاعرة ووطنها ،فنراها قد انصرفت لأسلوب رومانسي بحت ، يشرح مشاعرها و حبها العميق مبطّنا بمرارة و حزن على أوضاعه الراهنة .
نجد هنا حقلين منفصلين تماما في فكرتين أساسيّتين الأولى هي تعبير عن عشق الوطن و النزوع إليه و التي تحتوي على معجم متكامل من مفردات الوله و الوجد :
(أغريت – العشق – ليعانق – الهيام – الشعور – خفقتي – الشوق – هواك – أحتاج – لحضنك – الحاني- يضمّ – يهدهد – الجيشان – تؤمن بي – لطفك ) ومنذ الجملة الدلالية الأولى (أغريت بوح العشق ) تضعنا الشاعرة في مواجهة أولى الشفرات النفسية ألا و هي “التعلق و التدله بالمعشوق” ثم تواصل تكريس هذا البعد النفسي لشفرة”العشق” من خلال “ليعانق الألحان” و “الهيام” و “الشوق” و لأن الشوق هو افتقار العاشق إلى المعشوق و طلبه إياه ، وحركته المحمومة نحوه ، لذا فهو يجري حثيثا نحو غاية ، و هذه الغاية تمثل وجها إيجابيا ، فكما يعمد المحتاج للتعبير عن مشاعره لمن يؤول إليه و مدحه و تبجيله قبل أن يهم بالإفصاح عن حاجته أو ما يريده منه ، نجد الشاعرة وهي تبوح بمكنونات فؤادها عن أبلغ مشاعر الغرام لوطنها الحبيب مدركة عظمة الوطن و إحساسها بطفولتها نحوه التي لا تحجم عن التعبير بفرحتها الصادقة أمام عودته المنتظرة .

والفكرة الثانية هي الشكوى المريرة التي يوضحها معجم لفظي مغاير تماما :
(تنشز – العتاب – ضراوة – الصبّار – تقسو – الظما – تستبيح – شتات – تشرد – نثار – غبار – تيهي – انفراط – صفر – هجير – شكايتي – ذلة )
بعد أن كان موضوع النص هو الحب قررت الشاعرة أن تبدي شكواها وحاجتها للمحبوب مستخدمة أسلوب التبرير واصفة جراحاتها و خسائرها في فضاءات المودة ، التي لا تنفك تلاحقها كلما حاولت أن تفتح نافذة للود.
وعليه فقد قررت الشاعرة توضيح عظم حاجتها لهذا الحب رغم ما يستهدفه من تيه وشتات وتشرد ، وهي بذلك تريد لنا أن ندخل إلى فضاء النص على هدي حقيقة ثابتة و هي كونها إنسانا حين يطرق موضوع الحب يطرقه من باب البحث عنه ، فالإنسان مشروع عاشق دائم ومستمر و هو ما نلمحه من خلال استخدامها للفعل المضارع بكثرة في النص.
ولأن الخطاب الذي تجريه الشاعرة مع الوطن ، هو توليد لا منتهٍ ، ومستمر لخيالها وتصورها ، لذا فهو يوضع موضع التساؤل بسبب ظاهرة التحطيم و التدمير الشعري ، فبين الفكرة الأولى و الفكرة الثانية بون شاسع سواء في العلاقة الحميمية مع الوطن أو مع مستوى الخطاب الإنساني ،حتى كأنّ هناك درجات من السلّم ناقصة ، ورغم أنّ الشاعرة لا تدير في الفراغ عناصرها البيانية و البديعية ، إلا أن بعض الصور تبقى معلقة و متجمدة في فضاءات محددة صانعة تعددا فوضويا للصورة ، ورغم أن مقياس التلاحم لا يعد إجباريا في قصيدة رومانسية كهذه القصيدة ، إذ يمكن لعناصر مكثفة الاندماج في عمل فني لتؤطر مجموع هذا العمل و توحي لنا بدلالته .

أغْرَيتَ بوحَ العشقِ في أشعاري = ليُعانقَ الألحانَ في أوتاري
جرعة كبيرة من العشق تطل في مطلع القصيدة ، وكلمة أغريت تدفع المتلقي وتغريه إلى جانب الضمير المجهول المخاطب ، الذي يثير الفضول و يبعث عن التساؤل عن ذات الممدوح ، مع إنني أحبذ الأسلوب الإنشائي في إثارة المتلقي ، و البحث عن مفردات أكثر انسيابية لتطرب السامع و تشجعه على المضي قدما في الولوج للنص .
أما المعنى فهو كتابة عن الكتابة ، و كثيرا ما يعمد الشعراء للافتتاح بإيجاد مبرر للكتابة و توضيح سببها بطريقة مباشرة ، لكن الشاعرة طورت من فكرتها الرئيسية في الأبيات التالية ليتلاشى هذا المبرر أمام فكرة أهم و أكثر خدمة للنص من مجرد الكتابة نفسها .
فَعَزَفْتُ موسيقى الهيامِ وجوقتي = ناي الشعورِ وخفقتي قيثاري
رغم أن تكرار حرف القاف يعطي تأكيدا على معنى البيت و يكسبه قوة إلا أنه يخفض من مستوى انسيابيته و جمال موسيقاه ، و مفردة “جوقة” رغم حداثة استخدامها و جدّته ، إلا أن لفظها ثقيل نوعا ما لقرب حرف الجيم مع القاف و إضافة مفردة “خفقتي ” زاد الطين بلة .
أما تصعيد مفردات الحب فلم يكن موفقا كما يجب فالعشق ثم الهيام ثم ينحدر مستواه في البيت الثالث لمجرد “شوق ” :
أومأتَ لي فتعرّشّ الشوق الذي = ينمو بصدري وادّلت أزهاري
فأتيتُ يركضُ بي هواكَ كطفلةٍ = قد عادَ والدها من الأسفارِ
ما زلتُ أركضُ ..لا أراكَ كأنني = مهما نظرتُ ..تكسرتْ أنظاري
هنا “لقطة مميزة ” تفيد التجدد و الحدوث الدائم في تشكيل مرئي و حركي ، ولعل حركة الطفلة و ركضها عبرت بشكل أروع من لوحة . فاللوحة تشكيل ثابت بينما اللقطة تشكيل محدد متحرك يتسع أحيانا ليكون ناطقا .
أحتاجُ عينيكَ / الضياءَ بعتمتي = كيما أصبّ سناكَ في أقماري
رغم أنّ التأويل يختلف من قارئ لآخر ، إلا أن صورة الشمس التي تصب الضوء في الأقمار لتضيء العتمة أجدها جديرة بالتأمل في تشبيه بليغ مبتكر حذف المشبه به و هو الشمس و استعيض عنه بصفته ألا وهو الضوء الذي يستمده القمر منها إلا أن الأقمار لم أجد لها مدلولا ، فما الذي ترمي إليه الشاعرة من أقماري ، وما غاية جمع الأقمار بدلا من قمر ؟
ولحُضنكَ الحاني يضُمّ مخاوفي = ويُهدهدُ الجيشانَ في أغواري
هذا البيت يدفعني للإيمان بنظرية “الشوق للشوق ” ، فالشاعرة لا تتمنى زوال قلقها و مخاوفها و لا سكون جيشان فؤادها ، بل أنها تتمنى من المعشوق مراعاة هذا الاضطراب اللذيذ و احتضانه كأمِّ رءوم ، فبدون هذه الحركة المطّردة لا يصدق الحب و لا يمكن أن تتصور نفسها خارج دائرته .
ويديكَ تلقفني بلحظةِ عثرتي = وتخيطُ ما قد مزقتْ أقداري
هنا طفولة ضمنيّة ، وافتقار لأمومة الوطن ، حين يحتاج إليه الطفل و هذا الاحتياج يقودنا يوضح ما يسمى بالاتساع وهو عدم تطابق الشاعرة مع نفسها وحاضرها فهي من جانب عاشقة متدلهة ومن جانب آخر تعد نفسها خرقا ممزقة بفعل هذا العشق وهذا الخلل حوّل النص لصوتين ، صوت يقول ما يريد أن يقول وصوت آخر مختزن للغة يقول كلاما منافيا وكأن لسان حال الشاعرة هو : لست أنا في حد ذاتي منشطرة بل أنا شطر يحن إلى الاكتمال بمعطيات الوطن / المعشوق ، ليسدّ خللا من شأنه يمزق إرادتي و مشيئتي في تحويل الأقدار لطاقات إيجابية فاعلة .

إلاّ أنّ تكرار حرف القاف في ثلاثة موارد متقاربة أضعف موسيقى النّص ( قد – مزقت – أقداري)
أحتاجُ تؤمنُ بي ..بصدقِ نبوءتي = وتباركُ الإلهامَ في أفكاري
تستعرض الشاعرة سلسلة احتياجاتها من المعشوق / الوطن و بدلا من أن تؤمن هي بالوطن من باب “حب الوطن من الإيمان ” تتمنى من الوطن أن يؤمن بها و أن يشجعها على الإيمان به ، وهنا مفارقة ذكيّة ، و رسالة جليّة واضحة تقدمها بأسلوب عذب ، فهي لا تثور و لا تصرخ طمعا في أن يُنظر لعامة الشعب بنظرة إكبار تصل لدرجة النبوءة ، و أن ينظر لمقدّراته بوصفها إبداعات و أفكارا ملهمة ، بل تستعرضه في صورة استعطاف ذليل بصوت منكسر يتوسّل من قلبه الكبير أن يرضخ.
و وريفُ لُطفك في هجيِر شكايتي = تُرضيك ذلة غربتي في داري؟
يرتفع مستوى العتاب شيئا فشيئا من طلب إيمان و مباركة لاستنكار موقف الوطن السلبي من الذلة مرتفعا لأوجّه في البيت التالي :
يُرضيك تيهي وانفراطُ كرامتي = وتبعثري صفراً مع الأصفارِ؟
هنا أجد الحبّ وكأنّه من طرف واحد فقط ، مما يوضّح قسوة الوطن ولامبالاته في خيال الشاعرة ، مما أوصلها لمصاف العدم المادي و المعنوي ، أما الصورة “تبعثري صفرا مع الأصفار” فرغم دلالتها الفريدة في تصوير الافتقار و الحاجة ، إلا أنها ليست دقيقة بالمعنى العلمي لها ، فالصفر هو اللاشيء ، و اللاشيء لا يمكن أن يؤدي حركة التبعثر من منظور رياضي ، فأي قوة كونية يلزمها رقم موجب أكبر من الصفر ،أما جمع صفر مع الأصفار فهو نتيجة واحدة أيضا لأن (0) + (0) = (0) و لا يمكن أن تجمع الأصفار إلا لتأكيد المعنى لا غير ، و رغم أن الاستعارات لا تحتاج لمقاييس و نظريات رياضية إلا أن دقتها تعطي تصويرا أكثر قبولا لدى المتلقي .
لا مسكناً يأوي شِتاتَ تشردي = وأثاثُ أحلامي نثارُ غبارِ
المرادفات الثلاث ( شتات – تشرد – نثار ) ومن قبلها تبعثري ، يوصلنا للثيمة النفسية الأخرى و هي الضياع و التيه ، وربّما هي الحاجة التي دفعت الشاعرة لكتابة النص ، و جعلتها تلجأ للوطن رغم قسوته و ضراوة العيش فيه و الذي عبرت عنه بالصبّار ، و المعروف بطعمه اللاذع و المر و الذي لا يستسيغه الذوق إلا أنّها ركزت على خشونته مقارنة بنعومة الورد و لونه الزاهي :
يا أحمراً كالورد مُجْ بحدائقي= فلكم سئمتُ ضراوة الصّبارِ
يا أبيضاُ كالغيمِ نادمكَ الظّما = أمطِر أماناً بامتدادِ قفاري
إلا أنّ “أمانا” أضرّت بالمعنى المراد إيصاله ، فهي لم تشكُ قبلا من الخوف و قلة الأمن ، و إنما حصرت مطالبها في الإيمان و العزة داخل الوطن والمسكن ، ثم تفاجئنا بطلب آخر و هو الأمان ، و لعلها ضاقت ذرعا بتشردها و شتاتها ، مما أوصلها لخطر أكبر و أشد وطأة .
ورغم أن الأبيات الأخيرة لم تحقق الوحدة الموضوعية ، فنراها تتنقل من مدح لاستعطاف و من رجاء لثناء ، إلا أن الفكرة تكاد تكون واضحة ، فهي تطعّم كل حاجة بوصف جميل للوطن رغبة منها في إحراز الاستلطاف و الاستعطاف لتحقيق ما ترغبه فعلا
جنّّحْ بريشِ المكرمات مطامحي = حتى يُحلق للعُلا إصراري
يبدو لي لو تم تقديم هذا البيت قبل ذكر الأمان وهو ذروة ما تتمناه لأصبح المعنى أكثر منطقية ، فمثلا لو جاء بعد ( لا مسكنا يؤوي … )
من رحمِ تُربتكَ انبلاجي نجمةً = وإليكَ تَسْطَعُ بالسّرى أنواري
وإليكَ تشدو بالغناءِ قصيدتي = وكأنما في القافياتِ كناري
البيتان السابقان ضروريان لخاتمة متقنة ، تظل في الذاكرة ، و كأنها تعيد حلقة البداية للنهاية في أسلوب محكم ، فبعد العشق و الذوبان ، جاء العتاب و الشكوى و ختم بعلاقة سبب بنتيجة تربطهما معا :
فإذا تَنَشّزَ بالعتابِ ترنّمي = خُذْ للرّضا نغماً من استغفاري
في اعتذار جميل رغم قصره و عدم الإسهاب فيه ، فكم تمنيت أن يطول لأكثر من بيت ، ليقنع القارئ بالعنوان و ليحقق الربط بين الفكرتين بصورة أدق و أروع .
وختاما فإن إيمان دعبل في “نغم استغفار” تقف بنا على أعتاب الأدب الرومانسي الرفيع ، البعيد عن الابتذال ، و المتميز بحبه للقيم و المثل الإنسانية ، وأهمها التعلق بالوطن ، مقتدية بأسلوب الشابي ، الذي جمع بين الرومانسية و الاهتمام بالقضايا الوطنية في رؤية متفردة و تصوير مبتكر و اشتغال متقن يضمن وحدة البيت ووحدة النص .

الورقة الثانية ” للشاعر أحمد جعفر السعيد “

 

~ نغمُ استغفار ~

 

أغْرَيتَ بوحَ العشقِ في أشعاري

ليُعانقَ الألحانَ في أوتاري

 

فَعَزَفْتُ موسيقى الهيامِ وجوقتي

ناي الشعورِ وخفقتي قيثاري

 

أومأتَ لي فتعرّشّ الشوق الذي

ينمو بصدري وادّلت أزهاري

 

فأتيتُ يركضُ بي هواكَ كطفلةٍ

قد عادَ والدها من الأسفارِ

 

ما زلتُ أركضُ ..لا أراكَ كأنني

مهما نظرتُ ..تكسرتْ أنظاري

 

أحتاجُ عينيكَ / الضياءَ بعتمتي

كيما أصبّ  سناكَ في أقماري

 

ولحُضنكَ الحاني يضُمّ مخاوفي

ويُهدهدُ الجيشانَ في أغواري

 

ويديكَ تلقفني بلحظةِ عثرتي

وتخيطُ ما قد مزقتْ أقداري

 

أحتاجُ تؤمنُ بي ..بصدقِ نبوءتي

وتباركُ الإلهامَ في أفكاري

 

و وريفُ لُطفك في هجيِر شكايتي

تُرضيك ذلة غربتي في داري؟

 

يُرضيك تيهي وانفراطُ كرامتي

وتبعثري صفراً مع الأصفارِ؟

 

لا مسكناً يأوي شِتاتَ تشردي

وأثاثُ أحلامي نثارُ غبارِ

 

أشكوكَ يا وطني إليكَ ومُهجتي

تَنّورُ حزنٍ والتحسّرُ ناري

 

تقسو على قلبي ..وقلبي لا يرى

إلاكَ شمساً تستبيحُ مداري

 

يا أحمراً كالورد مُجْ بحدائقي

فلكم  سئمتُ ضراوة الصّبارِ

 

يا أبيضاُ كالغيمِ نادمكَ الظّما

أمطِر أماناً بامتدادِ قفاري

 

جنّّحْ بريشِ المكرمات مطامحي

حتى يُحلق للعُلا إصراري

 

من رحمِ تُربتكَ انبلاجي نجمةً

وإليكَ تَسْطَعُ بالسّرى أنواري

 

وإليكَ تشدو بالغناءِ قصيدتي

وكأنما في القافياتِ كناري

 

فإذا تَنَشّزَ بالعتابِ ترنّمي

خُذْ للرّضا نغماً من استغفاري

مقدمة:

هذا النص، العمودي الكلاسيكي في بنائه والعصري في لغته ومضمونه، هو في رأيي مادة خصبة للنقد والتحليل؛ لتوافره على مقومات النص المتقن الذي يطير بجناحي التهويم والتشكيل -حسب صلاح عبد الصبور- لنحصل في النهاية على أفق واسع يمكن بذل الوسع في تناوله والانبساط في الأخذ والرد في ضوء معطيات النص وهناته، إن وجدت، والتي لا يخلو منها نص ما دمنا نتعامل مع نص بشري، بَصْمة جماله في طبيعته البشرية بين النقص والكمال..
وبعد تناول كريم لبنية الإيقاع فلن أتطرق إليه وسأتناول هذا النص من خلال زوايا نظر ثلاث..

1. الأفكار
2. العاطفة
3. الأسلوب

أولا: الأفكار:

من أول وهلة يصدم المتلقي بعنوان النص الواشي بموضوعه (نغم استغفار) لنجد أن مدلولي النغم والاستغفار يستحوذان على النص برمته بحيث يتضح بأدنى تأمل أننا أمام عزف حزين صارخ يتهدج في محراب الحب والعتب والعشق الطاهر، الذي يقود صاحبه للاستغفار له مع كل ما سببه من ألم ليس أهونه النفي والتشريد والتضييق.. وهل هناك أصدق وأعظم من هذا الحب.. وهذا ما يميز ملح الأرض عن غيره من دخيل نشاز على نسيجه، وليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة.. وبالتالي أرى أن عنوان النص وضع ليكون مفتاح القصيدة بحق. انظر مثلا إلى حرف الغين في كل من نغم واستغفار تجدها في أغريت وأغوار والغيم.. وغربة وغفران.. وكلها مداليل في النص..
ويمكننا من خلال عنوان النص الولوج لأفكاره الرئيسية والتي تتلخص في ثلاث أفكار، رغم ما يزخر به النص من أفكار فرعية لن نركز عليها بغية الاختصار، والأفكار الرئيسية هي:

 التغني بحب الوطن المركب في غرائزنا كحبنا لوالدينا لا ينتظر مقابلا.. وأظن أن الشاعر اقتصر على 4 أبيات هنا لأنه أرد أن يجعلها قنطرة يعبر من فوقها إلى الفكرة الأهم في القصيدة وهي الفكرة الثانية.
 العتاب والشكوى من الوطن إليه.. وقد استحوذت هذه الفكرة على النص بحيث يجوز لنا أن نقول إنها لب النص وفحواه من البيت الخامس حتى البيت الثامن عشر أي 14 بيتا من أصل عشرين بيتا أي بنسبة 70% من القصيدة..
 الاستغفار للوطن والاستغفار منه بحيث إن الشاعر وجد نفسه في النهاية قسا على الوطن في عتابه المر، فاستدرك يستغفره ويستغفر له، وقد جاءت هذه الفكرة في بيتين اختتمت بهما القصيدة..

بعد طرح أفكار القصيدة نسأل.. ما مدى ما أضافه الشاعر على موضوع مكرور ومستهلك ليقدمه لنا ذا طراوة وطرافة لافتتين؟ ثم.. هل وفق الشاعر فعلا بالتنقل عبر أفكاره بسلاسة وانسجام.. أم هناك قفزات غير مبررة بين فكرة وأخرى؟ وأخيرا إلى أي مدى نجح الشاعر من خلال ترابط أفكاره في خلق وحدة موضوعية للنص بحيث تختل وتتداعى بمجرد تقديم فكرة على أخرى؟

بالنسبة للسؤال الأول.. يمكن لنا أن نتلمس الجدة والطرافة في عرض الموضوع القديم من خلال تجذيره وحفره في ضمير المتلقي عبر الاشتغال على اللغة.. فقد تجاوز الشاعر اللغة المباشرة العادية ليعتمد على الإيحاء في إيصال أفكاره، وهذا أعمق تأثيرا لأنه لا يفرض عليك أفكاره كلاما، وإنما يفرضها عبر شحنة كهربائية تهزك من الأعماق لتنسرب الأفكار بعد ذلك من القلب إلى العقل..
وبالنسبة للسؤال الثاني.. أرى أن الشاعر لم ينتقل بسلاسة من الفكرة القنطرة إلى الفكرة الفحوى.. وها ما لمسه أخي الكبير كريم رضي أيضا.. وأجد أن هناك استعجالا في الولوج إلى موضوع القصيدة، فلم نكد نتهيأ عاطفيا وننتشي وإذا بالشاعر يقفز بنا ولما نتهيأ للطيران معه.. بخلاف الانتقال من الفكرة الفحوى إلى فكرة الخاتمة التى جاءت في غاية الا نسجام والسلاسة.. فلم نشعر معها بفجوة شعورية ناقصة.
أما السؤال الثالث.. فمن نافلة القول أن الوحدة الموضوعية من صفات القصيدة المعاصرة الناجحة.. هذا الاتجاه الذي حدا ببعض النقاد أن يتفلسف ليجد في المعلقات وحدة موضوعية رغم تعدد أغراضها وموضوعاتها.. لا يهمنا والمجال لا يتسع الآن.. والمهم أن الشاعر وفق أيما توفيق في خلق وحدة موضوعية.. وإلا لما استطعنا أن نستنتج الفِكر الثلاث وندرك العلائق بينها.. فجاء النص موضوعا واحدا في معمار متماسك متين.

ثانيا: العاطفة

وقبل الحديث عن الجو العاطفي المفعم في النص.. يجب أن ينظر في عاطفة النص من خلال أبعاد (مديات) أربعة.. وهي مدى نجاح الشاعر في خلق ألفة بين النص والمتلقي- مدى طغيان العاطفة واستحواذها على قلب المتلقي بحيث لا يفيق من سكرة النص حتى الخاتمة- مدى ثبات العاطفة واستمرارها حتى بعد الانتهاء من القراءة– مدى صدق العاطفة بخضوع كل أجزاء النص من لغة وخيال وأسلوب وإيقاع لحرارتها ولونها..
من خلال هذه المديات الأربعة ندرك أن هذا النص نص عاطفي من الطراز الأول.. ولا أظن أن قارئا ذا ذوق يقرأ منه جزءا ويكتفي.. هذا النص يفرض عليك أن تقرأه كاملا من خلال سيطرة الجو العاطفي المفعم بالحب والعتاب والألم والشكوى وطهارة الاستغفار.. كما أن ألفة ما تسري في لغة النص من خلال عاطفته فتفتن المتلقي.. ولا بد لكل ذلك من أسرار توافر عليها النص .. وأرى أنه لا يمكن أن تكون العاطفة جياشة وقوية مالم تخضع النص إليها، وهنا نجد أولا المعجم الدلالي المتنوع بين ( النغم: موسيقى الهيام- ناي الشعور – قيثاري -الألحان- أوتاري – تشدو- ترنمي، والحب: بوح العشق- الهيام – الشوق – الهوى- يركض بي، الخيبة: تكسرت- لا أراك- ذلة- غربتي- عثرتي- عتمتي- أحتاج- تيهي- انفراط كرامتي- شتات تشردي- تنور حزن- التحسر ناري- ضراوة الصبار- الظما- امتداد قفاري، العتاب: أحتاج عينيك-أحتاج تؤمن بي- ترضيك- شكايتي – لا مسكنا –أشكوك يا وطني إليك- يا أحمرا- يا أبيضا- تقسو على قلبي، الاستغفار: خذ للرضا- استغفاري).. أليس في هذا المعجم الدلالي ما يشي بسيطرة العاطفة وجيشانها في النص.. ثم انظر في التراكيب لتجد: (يعانق الألحان- بوح العشق- يركض بي هواك- تكسرت أنظاري- يهدهد الجيشان- تخيط ما قد مزقت أقداري- وريف لطفك – تبعثري صفرا من الأصفار- أمطر أمانا- جنح بريش المكرمات مطامحي- نادمك الظما….) تجدها تركيب منسجمة مع العاطفة موحية حتى تظن أنها خمرة من لغة في ماء من خيال.. وللخيال هنا قصة أخرى فقد تعددت الصور الملونة بالعاطفة فجاءت مشبوبة خذ منها: يعانق الألحان في أوتاري وهي صورة جميلة جاءت في مطلع القصيدة لتجسد الحب في عناق جميل على أوتار قيثارة- جوقتي ناي الشعور وخفقتي قيثاري: وهي صورة غاية في الروعة وضعت في المقدمة لتهيئنا في ما يبدو لموضوع النص.. كما تستعد الجوقة لعزف سوناتا جميلة من خلال مقدمة تدوزن فيها الناي والقيثار، يركض بي هواك: وهي كناية عن الشغف والتدله بالمحبوب ويبدو ان صورة من الطفولة قفزت فجأة إلى مخيلة الشاعر من اللاشعور فهو ينتظر أباه عائدا من السفر محملا بالهدايا والشوق.. فيفيق على الخيبة.. وانظر إلى (أصب سناك في أقماري) تجد الشاعر برع في رسم صورة جديدة غير مألوفة فالمألوف أن القمر ينصبُّ ضوءا على تراب الوطن، فإذا بالشاعر هنا يقلب الصورة ليكون الوطن هو واهب الضياء.. ولا جمال للقمر على غير شواطئ الوطن.. واسأل من ذاق عذاب المنافي.. وقد يوجد هنا تناص مع السياب: (ودكّ معاقل الطاغوت في بغداد أبطالٌ/ فقلتُ سأوقد القمرا/ سراجا عند بابي: إنه ظفري، أما قالوا بأنَّ الشرَّ قد دُحِرا) خصوصا أن الشاعر يرمي بذلك إلى الارتقاء بوطنه إلى واقع أجمل بعد أن اختنق ظلما وفسادا.., وأرى أن الشاعر وفق في الصورة أكثر من السياب.. لماذا؟.. لأنه جعل الضوء منصبَّا من سنا الوطن وبذلك إيحاء أن التغيير لا يأتي إلا من داخل الوطن من شبابه وحملة مشاعل الإصلاح الشرفاء فيه وهم سنا هذا الوطن الذي يحترق لأجله.
صورة جميلة (في أومأت لي فتعرش الشوق).. وهي لفتة تحيلنا إلى قصص السحر.. كما في الخرافة اليونانية.. -أظنني قرأتها في مسرحية لموليير- فبمجرد أن توميء الساحرة تحيل معشوقيها الذين سحرتهم أزهارا إلى أشباح تقضي معهم ليلتها، ثم بإيماءة أخرى يعودون أزهارا جميلة في أصص سيحررهم الشيطان يوما ما.. والتناص هنا ليس واعيا لجذوره.. وهنا تأتي مقولة فارس النص (رولان بارت) أن النص الأول لم يوجد، فنصوصنا انحدرت من سلسلة طويلة من النصوص هي من سلالتها.. تلك سيرة النص التي تجعل النص في سياقه فتلمس ما فيه من جديد… وهكذا يمكن أن نلمس صورة جميلة مثل (يهدهد الجيشان).. ناهيك عن الطباق الجميل في هذا التركيب..
وانظر (أثاث أحلامي نثار غباري..) فبين حلم الاستقرار والمنفى مسافة يتحول معها الأثاث الحالم إلى غبار مسافر بلا مأوى)..
ولا أظنني سأستوعب كل الصور.. فالنص زاخر بها ويطول بنا المقام وسأكتفي أخيرا بــ (يا أحمرا كالورد.. ويا أبيضا كالغيم) وهما كناية لا تخفى على القارئ استعارها الشاعر من علم البلاد ليلعب على المفارقة المؤلمة..
فقط أتحفظ على صورة (ريش المكرمات) فقد جاءت دون مستوى الصور الأخرى,, ولطيف أن نزاوج بين بعيدَين.. لكن بشرط أن لا يتنافى والحس المرهف الذي لمسناه في النص.
ولا نحتاج بعد ذلك كله للتدليل على صدق العاطفة في النص.. وأنى لمتكلف أن يُحكِم هذا النسج الجميل من دون أن تلبسه العاطفة وتذيبه..
ولتنوع الأساليب قصة أخرى لن أتناولها وسأتركها لزملائي في العصبة..

أما الإيقاع فقد كفانا أمره كريم.. فقط أشير إلى أن استخدام الكامل في شكله المقطوع (متفاعل) واستخدام الشاعر روي التاء المكسورة قبلها ألف مد.. كل ذلك من مصاديق صدق العاطفة.. ولا يتكلف شاعر مطبوع اختيار بحره ورويه وإلا لفاحت رائحة الزيف ولو على بعد فراسخ..

ثالثا: الأسلوب:

فيما يخص أسلوب الشاعر ألمحنا من قبل إلى المعجم الدلالي في النص وانسجامه مع جوه.. وهنا أضيف: أن المفردات جاءت رقيقة موحية عذبة في أكثرها سليمة، إلا في كلمة (يأوي) فقد أخطأ الشاعر إملائيا على ما يظهر والأصح (يؤوي).
وفيما يخص التراكيب ألمحنا إليها أعلاه.. لكنني أتحفظ على دخول مهما على الفعل الماضي.. والذي أجده أن مهما في الأفصح تدخل على الفعل المضارع.. (ومهما تكن عند امرئ …) لكنني لست متأكدا..
واللغة بشكل عام جاءت متوسطة في الجزالة.. وتم توظيفها بعذوبة.. كما في (مازلت أركض..لا أراك) جملتان قصيرتان.. الثانية حالية.. بلا واو حالية.. لتوحي باستمرار الحال وسيطرته..
تكرار كلمة (أحتاج)..أوحى بمدى الحرمان الذي يعانيه الشاعر في وطنه..
الأسلوب الإنشائي في (ترضيك ذلة غربتي في داري؟) رائع جدا عكس ألم الشاعر بلا حاجة إلى زوائد.. وفي (أشكوك يا وطني إليك) والتي أرى أن تناصا مع القرآن والدعاء..(لا منجى منك إلا إليك) لتكون عبارة عظيمة الإيحاء تعلي من شأن الوطن لتصل به في الأذهان إلى مقام الألوهة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا..
أخيرا.. هذا ما في جعبتي وألتمس منكم العذر لإطالتي.. فالنص أغراني بذلك.. وشكرا للشاعر..

الورقة الأولى ” للشاعر كريم رضي “

~ نغمُ استغفار ~

 

أغْرَيتَ بوحَ العشقِ في أشعاري

ليُعانقَ الألحانَ في أوتاري

 

فَعَزَفْتُ موسيقى الهيامِ وجوقتي

ناي الشعورِ وخفقتي قيثاري

 

أومأتَ لي فتعرّشّ الشوق الذي

ينمو بصدري وادّلت أزهاري

 

فأتيتُ يركضُ بي هواكَ كطفلةٍ

قد عادَ والدها من الأسفارِ

 

ما زلتُ أركضُ ..لا أراكَ كأنني

مهما نظرتُ ..تكسرتْ أنظاري

 

أحتاجُ عينيكَ / الضياءَ بعتمتي

كيما أصبّ  سناكَ في أقماري

 

ولحُضنكَ الحاني يضُمّ مخاوفي

ويُهدهدُ الجيشانَ في أغواري

 

ويديكَ تلقفني بلحظةِ عثرتي

وتخيطُ ما قد مزقتْ أقداري

 

أحتاجُ تؤمنُ بي ..بصدقِ نبوءتي

وتباركُ الإلهامَ في أفكاري

 

و وريفُ لُطفك في هجيِر شكايتي

تُرضيك ذلة غربتي في داري؟

 

يُرضيك تيهي وانفراطُ كرامتي

وتبعثري صفراً مع الأصفارِ؟

 

لا مسكناً يأوي شِتاتَ تشردي

وأثاثُ أحلامي نثارُ غبارِ

 

أشكوكَ يا وطني إليكَ ومُهجتي

تَنّورُ حزنٍ والتحسّرُ ناري

 

تقسو على قلبي ..وقلبي لا يرى

إلاكَ شمساً تستبيحُ مداري

 

يا أحمراً كالورد مُجْ بحدائقي

فلكم  سئمتُ ضراوة الصّبارِ

 

يا أبيضاُ كالغيمِ نادمكَ الظّما

أمطِر أماناً بامتدادِ قفاري

 

جنّّحْ بريشِ المكرمات مطامحي

حتى يُحلق للعُلا إصراري

 

من رحمِ تُربتكَ انبلاجي نجمةً

وإليكَ تَسْطَعُ بالسّرى أنواري

 

وإليكَ تشدو بالغناءِ قصيدتي

وكأنما في القافياتِ كناري

 

فإذا تَنَشّزَ بالعتابِ ترنّمي

خُذْ للرّضا نغماً من استغفاري

 

الورقة الأولى ” للشاعر كريم رضي “

أولا بنية الإيقاع:

هذه القصيدة على بحر الكامل والذي ينقسم إلى (تام الكامل) وهو متفاعلن متفاعلن متفاعلن / متفاعلن متفاعلن متفاعل، ومجزوء الكامل مثل متفاعلن متفاعلن / متفاعلن متفاعلن ، وغير ذلك من أشكال مجزوء الكامل .
سمي بالكامل لتكامل حركاته وهو ما لم تجتمع في غيره من البحور وهو من اعذب البحور موسيقى والطفها واقواها ويستعمل غالبا لمديح الغير ومديح االذات والتغزل مثلا كقول عنترة في عبلة:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل / مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها / لمعت كبارق ثغرك المتبسم ً
وللرثاء كقول الشاعر رضا الهندي راثيا الحسين:
صلت على جسد الحسين سيوفهم / فغدا لساجدة الظبا محرابا

ثانيا: بنية المضمون:

القصيدة قصيدة وطنية، لكنها تمزج حب الوطن بمعاتبته، فمنذ البيت الأول حتى البيت الرابع نجد هذا الولع الصافي كالماء الرقراق بحب الوطن ومن يقرأ هذه المقدمة الرباعيـّة يستطيع فصلها عن باقي القصيدة، لأن الحب في هذه الأبيات الأولى هو حب مجاني بدون مقابل، بل إن الوطن هنا لهو سبب النص وسبب الشعر والعشق، وإن مجرد إيماءة الوطن قادرة على إيقاظ أنهار الشعر في نفس الشاعر.
لكن منذ البيت الخامس ثمة تحول يحدث، فهذا الحب الذي ظنناه مجانيا يبدأ باالتحول إلى وهم وفراغ، حيث لا يرى الشاعر هذا الوطن الذي جاء يركض من أجله بل يرى فقط السراب الذي يحسبه الظمآن ماء لكن نظره يتكسر وهنا استعارة جميلة غير مباشرة في (تكسرت أنظاري) من القرآن الكريم. لكن الظمآن في القرآن الكريم يجد الظمآن الله عنده فيوفيه حسابه أما الشاعر هنا فلا يجد الوطن ولا يجد شيئا غيره. وإذن فمنذ البيت الخامس حتى الخامس حتى الرابع عشر أي منذ (ما زلت أركض) حتى (تقسو على قلبي) يوضح الشاعر خيبة أمله في هذا الوطن، حيث لم يجن نفعا من وراء هذا الحب لم يجن لا السكن ولا تحقيق الأحلام ولا العز ولا الرحمة ولا الكرامة. وهنا ينبثق سؤال هو لماذا هذا التحول المفاجيء والجميل في الوقت نفسه؟ وكيف فجأة تحول الحب العذري إلى حب حسي إذا استخدمنا مصطلح الغزل. فبعد التغزل في الوطن من أجل الوطن، نجد فجأة هذا العتاب المر. هل كذب الشاعر إذن في الأبيات الأولى حيث (أعذب الشعر أكذبه) فحين وصف لنا أولا أن الوطن ألهمه الحب لم يكن في الحقيقة إلا يهيء ليضربنا الضربة القاضية تاليا بنكران المعروف والعقوق الذي قابل به الوطن هذا الحب، وهل تحول الحب من إحساس مطلق إلى تبادل منفعة؟
ثمة غضب يتفجر في نهاية القصيدة فهو يصف الوطن بأنه (أبيض كالغيم) و (أحمر كالورد) لكنه ليس غيما بل هو (نديم الظمأ) وهو ليس وردا بل (شوك الصبار) وإذن ففي هذا التشبيه يريد السخرية وليس المدح كما تقول لشخص (كأنك ملك) لا لتمدحه بل لتسخر من غروره.
يرسل الشاعر أخيرا أوامره للوطن، ولا غرو فحين يهبط مستوى المعشوق إلى مستوى العاق فلا بد من أوامر لكي يصحح الوطن عقوقه ويرتقي إلى الصورة التي رسمها الشاعر وهما في البداية لهذا الوطن. وإذا ما قارنا أفعال الأوامر في الأبيات الأخيرة، (مج، أمطرْ، جنحْ، خذْ، ) بأفعال الماضي المليئة بالعرفان في بداية القصيدة (أومأتَ، أغريتَ) لوجدنا تحولا خطيرا مفاده أنني قد صدمتُ في حبك يا وطني.
ومع ذلك ففي الأبيات الثلاثة الأخيرة ثمة مراجعة لهذا الغضب وعودة تشبه الأبيات الأولى لمديح الوطن وفضله على الشاعر في بعث القريحة وصناعة النص، ثم هو يطلب المغفرة من الوطن إن كان قسا عليه مبادلا قسوة بقسوة، وهو ما يشي بأن هذالشاعر وإن شعر بالظلم إلا أنه مع عتابه يشعر بالذنب لهذالعتاب. فيكفي الوطن كرما أنه منحه القدرة على الكتابة وصناعة القصيدة وهذا مجد الشاعر الحقيقي، أما السكن والأثاث والعمل وغيرها فلعلها من سقط المتاع عند الشاعر.
هذا التناقض عاشه جميع الشعراء وهو تناقض بين الشاعر والإنسان، فالإنسان كمادي ونفعي بطبعه تحدوه رغباته لطلب العدل والميزات والتمتع بالرفاهية ورغد العيش والشاعر ككائن فوق مادي يرضيه أبسط ما يمنحه الحبيب من جمال المعنى وفتنة الخيال وروعة الصورة قانعا بها عن كل ما عداها من متاع الدنيا وبين هذين الحالين يوجد الشاعر فلا هو يرضى تماما بالزهد في اللذائذ راضيا بلذة المعنى ولا هو يقنع برغائب الحياة بديلا عن الخيال وفتنته.

 

 

 

 

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.