إيمان دعبل

فراشةٌ في دهشة الضوء

أرشيف لـبعضُ سَرْدٍ ..أو أكثر

حشرة !! “ق.ق.ج”

حينما أنهى رحلته بالتسلق على الأكتاف والوطء فوق الرؤوس

وصل للقمة وعلى فمه تتسع ابتسامة خبيثة

نظر أسفل قدميه لأكوام من الأجساد الآدمية التي تجاوزها

وحين نظر لنفسه

لم يكن

لم يكن سوى حشرة !!

تِلاوَةُ الشَياطين

قال تعالى:واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ، يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت ، وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر ، فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه ، وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ، ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ، ولقد علموا لمن اشتراه ما له من خلاق ، ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون (102 سورة البقرة)

لمْ يَعُد في وُسْعِها احتمال الضحكاتِ المُنْبَعِثةِ من خلف البابِ المُغْلق..الضّحَكات التي تُحلقُ كسربٍ من العصافيرِ في تَسْبيحةِ الغروبِ عائدةً لأعشاشها في السِّدرةِ المنتصبة بخشوعٍ في الباحةِ الخلفية للمنزل..

اقتربتْ على أطرافِ أصابِعِها في سعيٍ فضوليٍ نحو الباب ْ وألصقتْ أُذنها المُتلصِصة بحذرٍ تسترقُ ما يفوتها من أحاديثِ المَساءِ الحَميمة …تتمنى لو يَسْتَطيع ُ بصرُها أن يَخْتَرِقَ البابَ لِترى ما يَدورُ بينهما ..أو أنَّ الجِدارَ يَشي لها بحكاياهُم السِّرية ..ولكنهم يَتَهامسون ..وهي تكرهُ الهَمْس …تَكْرهُ أن تََفُوتَها شاردةً أو واردة …اقتربتْ أكثر وازدادتْ التصاقاً بالباب.. وأخيراً سمِعتهم يتفقونَ على الخروجِ لأحدِ المَطاعِمِ للعشاء…

تراجَعَتْ بِغيظٍ لغرفتها الواقعة في الطابقِ السُّفْلي … وأخذتْ تَذْرعُ غُرفَتها الكَئِيبة ذهاباً وإياباً كَعنكبوتِ الأرملةِ السوداء.. تَغْزِلُ أفكارها شَبكةًٍ مَلْعونةًٍ من المَكائِدِ الخَفِية ..وبعدَ أن اكتملَ غزلها قَبَعتْ تنتظرُ وقوعَ الفريسةً بينَ براثِنِها …

حَمَلَتْ هاتِفها وكعادتِها حينَ تَوَدُّ استِدْعائهُ تَرَكَتهُ يَرُنُّ بِِضعَ رناتٍ و قَطعَتِ الاتصالَ قبلَ أن يَرُدْ …وكما توقعَتْ.. قبل أن تَكتمِلَ الدقيقة سَمٍعت طَرقهُ المألوفِ على البابَ
تَمَدَدَتْ على السََّرير وغطَّت جَسَدَها حتى لمْ يَظْهَر منها سِوى رأسَها المُدوَُّر كقرصٍ مُتَغضنِ المَلامِحِ وأجابتْ بصوتٍ مُنهكٍ وأتبعتهُ بِسُعالٍ مُفتعل : أُح أُح ..أدخل.. أُح أُح
فََتََحَ البابَ بِهدوء, ووقفَ بالقربِ من السَّريرٍ باسماً..ولكنَّه حيَنَ لَمَحَ أشباهَ دُموعٍٍ في عينيها وسَمِعَ شَهَقاتها المُضْطَرِبة انحنى بِقَلقٍ على وجهِها ووضع يدهُ على رأسِها كأنهُ يقيسُ حرارتها ومدَّ اليَّد الأُخرى بِحنانٍ لِيمسحَ آثارَ الدَّمعِ من وجنتِها المُتَجَعَّدة
- هل أنتِ بخيرٍٍ يا أمي ؟..
فَتَحَشْرَجَتْ الكلماتُ وهي تخرجُ من فَمِها
أو هكذا أرادتها أن تَبدو ضَعيفةً مَشوبةً ببحة :
- آه ..قلـ ..بي يا بُنَي أ ..أنا مُتْعبة وأنتَ لاهٍ لا تدري عني ..وكأنكَ نسيتني أوَ لستُ أُمُّك التي أفنتْ عُمرها في سبيلِِِ سعادتك؟؟.. وزَفَرَتْ زفرةً طويلةً وهي تَضَعُ يَدَها على قلبِها …
لقد حَفِظَ السِّيناريو الذي تكرَّر مؤخراً وما عليهِ إلا أن يُكَرِر الكلام المُعتاد
-ولكن يا أُمي أنا لم أكُن أعْلَم بأنكِ مُتعبة لماذا لم تَسْتَدْعِني عندما أحسستِ بالتعب؟
رمقتهُ مُعاتبةً :
- كانَ يجب أن تتفقدني فأنت تعلمُ بأنني مريضة على الدوام وأختكَ لم تَعُد بعدُ من بيتِ خَطِيبها أما أخوك ذاك الجاحدُ العديمِ الجدوى فهو لاهٍ في عَرْبَدَتِه ولا يدري إلا عن نفسِه..
أنزلَ رأسَهُ وهو يُحسُّ بالذَّنبِ كجيشٍ منَ النَّمِل يدبي على جسدِ ضَمِيره …
لا يدري لم تُحَسِّسَهُ دائماً وكأنهُ أذنبَ بِزواجهِ أو ارتكبَ مُنكراً عندما خطا خطوةً للأمام نحو حلمه بزوجة طيبة وأطفالٌ كالملائكة وبيت سعيد..
-آسِفْ يا أُمي هيَّا قومي مَعي سَآخُذكِ لِلعيادة حالاً..
والتقطَ مِفتاح سيارتهُ بِسُرعة ونادى زوجتهُ نُهى لِتُساعدهُ في نَقْلِها للسَّيارة..وهُناك تَقَدَمَتْ بِِجَسَدِها للبابِ الأمامي وألقتْ بثِقْلِها على المقعد ..لم تتنازل أبداً عن المقعدِ الأمامي حتى بعدَ أن تزوج ابنها ..ولن تتنازل عنهُ حتى وإن كانت تحتضِر..

جَلَسَت نُهى في المقعدِ الخلفي صامتةً كعادتها في حُضُورِِ حَماتِها بعدَ أن اعتادتْ منها تسفيهِ أحاديثها والاستئثارِ بالاهتمامِ بأسلوبٍ فض إذ يجبْ تسليطُ الضوءِ عليها هي فقط حين تكونُ حاضِرة..

تَأَوَّهَتْ..وكحَّت وزَفَرَتْ ..ولم تنسى أن تَذْرِف بِضْعَ دمعاتِ مُفْتَعَلَة ريثما وصلوا لِلعِيادةِ الخاصة ..إنها حقاً تستحقُ جائزة الأوسكارِ عن تمثيلها المُتقن هذا ..مع أنَّ الجالسةَ في الخلف لا تعتقدُ ذلك …

وهناكَ تمَّ إجراء الفحوصاتِ اللازمة وقياس السُّكرِ والضَّغط ..كانت واثقة بأن الطبيبَ سيجدُ بها عِلَةًً ما ..فقائمةُُ أمراضها الجَّسدية تطول/بِغَضِّ النظر عن قائمةِ عاهاتها النَّفسية الأطول..

وفعلاً فقد كانَ ضغطُ الدَّمِ مُرتفِعاً قليلا ..وقد ازدادتْ حِدَّةُ ضَغطِها منذُ أن فاتحها جلال ..بِكْرها المُقَرَّب بِرغبتهِ في الاستقرارِ ببيتِ مُنْفَرِد..

وهكذا استطاعتْ إفسادَ أُمسيتهم الشاعرية كما خطَّطت بِدهاء..

كان جلال يقودُ السَّيارةَ في مِشْوارِ العودة للمنزل و ذهنُهُ مشغولٌ بِفكرةٍ واحدة فقط تتطايرُ في رأسِهِ كذُبابةِ مجْنونة ..يتمنى لو أنَّ أزيزها يخرسُ قليلاً ..هذه هي المرَّةُ الثالثة في هذا الأُسبوع التي نَرتادُ فيها العيادة والطبيبُ يُؤكدُ في كلَّ مرةٍ بأنها على ما يُرام وما عليها إلا أن تنتبهَ للملحِ في طعامِها حتى تُحافظ على مُستوى الضغط وأن تبتعد عن الانفعال. .الأمرُ الأول مقدورٌ عليه ولكنَّ الثاني أشكُّ في ذلك ..الانفعال هو الدينامو المُحرِّك لحياةِ والدتي هو الجذوة التي تُبقيها مُشْتَعِلة بالنَّشاط.. إنها تنفعلُ لأبسطِ الأشياء تنفعلُ عندما لا تسيرُ الأمورِ على هواها..تنفعلُ عندما يعترضُ أو حتى يمتعِض أحد ٌعلى قرار من قراراتها الصارمة ..تنفعلُ على الخادمةِ حين تُكثر من الملحِ في السَّلطة وحتى على العصافيرِ في السَّدرة القابعة كعجوزٍ في باحةِ المنزل…

وهو يعلمُ سَبَبَ هذا الانفعال الأخير ..إنها تُحاولُ التأثير على قرارهِ بالانتقالِ إلى سكنٍ مستقل..وهو مُضطرُ لذلك فالأمور ليست مُستتِبة بينها وبين زوجته والمناوشات التي لا تنطفئ بينهما تُزعجهُ كثيراً فهي لم تستلطِفْ نُهى منذ أول يومٍ دخلت فيه المنزل كما أنه سَئِمَ مُعاملتها لهُ كطفلٍ لم يُفطم بعد ..سئم تدخلها المستمر في كل كبيرةٍ وصغيرةٍ في حياته..عصبيتها …ونوباتِ صراخها .. ولكنها أمه وهو يحبها أكثر من أي شيء في الدنيا..وهو الآن كعصفور مُمَزقٌ بين رغبته في التحليق نحو عشه الذي بناهُ من القش أو البقاء في قفص والدته الذهبي..

آه..ليتها تتركني أتنفسُ قليلا دون أن تُحكم خناقها حول رقبتي …

عندما وصلوا للمنزل تمسَّكت بتلابيبهِ وهي تدَّعي الضَّعف.. وبالطبع كان عليهِِ أن يُداريها وأن يتناولَ العشاءَ معها وإلا فهي ستُضرِب عن الطعام .. وأن يُعطيها دوائها قبل أن تنام فمنذُ وفاة والده وهو على هذه الحال يُمضي جُلَّ وقتهٍِ معها حتى بعد زواجه لم تكترثْ للوضعِِ الجديد بل إنها تُصِرُ على بقائهِِ حتى وقتٍ مُتأخرٍ ومع أن نُهى كانت متفهمة وتُحاولُ الاندماج معها وخلق علاقة وُدٍّ وسلام لكنها لم تكُن راغبة بتطفُلها ولطالما تركتْ لديها إحساساً بأنها شخصٌ غريبٌ وغيرُ مرغوبٍ فيه أحياناً بالتلميح و أحياناً أكثر بالتصريح …

أصبحتْ نُهى تتحاشى الاصطدامَ معها وتبقى في غُرفتها أغلب الأوقات وكان هذا الوضع يبدو مريحا لِكِلا الطرفين ..

أمضت ليلتها بعد أن انسلَّ بِخفةٍ من تحتِ رأسها لِغرفته تُفكر وتُفكر ..حَشَدَتْ كلَّ ما تملك من مكرٍ وخديعة لتتمكنَ من ردعِهِ عن الاستقلالِ بمنزلٍ خاص ..أولا يكفي بأنه منذ تزوَّج فقدتْ نصف حُبِهِ ونِصفُ اهتمامِهِ ,ونصفُ وقته ,والأهم نصفُ راتبه !!

كيف لها أن تُحقق مُبتغاها وتسترجعَ ما كان لها في الأساس…كيف؟؟ ولم يغمض لها جفنٌ قبل أن تطفو في ذِهنها فكرةً شيطانيةً من مُستنقعِِ أفكارها النتنة…

حركت الخاتم الماسيَّ في إصبعها وأدارتهُ وهي تبتسمُ ابتسامةً خبيثة..
-” كما أحكمتُ قبضتي من قبلُ على والدكَ المرحوم …سأُحكمُ قبضتي عليكَ ولن أترُككَ تتسربُ من بين أصابعي ..ليس بعد الآن “

تَصَاعدَ الدُّخانُ كثيفاً يَنْفُثُ سَوادهُ وكأنهُ أذرعةً تمتدُّ لِخنقِ هواءَ الغُرفةِ وتستبيحُ شفافيتهُ برائحةٍ كريهةٍ خانِقة كالفُلْفُلِ المُحْترق بعدَ أن أَلْقَتْ في قلبِ المِجْمَر حَفْنَةً من الأعشابِ الغريبة ِ المنتقاةِ بِعناية وكأنها تركيبة كيميائية مُعَقَدة وهي تتفوهُ بِكلِماتٍ لا يَفُكُ طَلاسِمَها ولا يفهمُ ماهيةَ أسرارها سِوى عليمٌ بالسِّحر الأسودِ والشعوذة …

كانَ الظلامُ الحالكُ يتفشى بهدوءٍ.. يَخْتَرِقُهُ بَصِيصٌ ضئيلٌ من ضوءِ القمرِ القابعِ في مَنْزِلَةِ الإكليل* تِلكَ المنزلةُ التي تَمتزجُ بالنَّحسِ وتَنْحَطُّ فيهِ روحانيةًٌ تجذبُ الفِتَنَ والبغضاء …

غَمْغَمَتْ تستدعي أحد أبناء إبليس بتلاواتٍ شيطانية وقد انقلبَ سَوادُ عينيها إلى بياضٍِ مُخيف ..ولأولِ مرةٍ يكونُ للبياضِ معنىً آخر غير النَّقاءِ والطهارةِ.. وارتعشَ جَسَدَها واشتدَّت غَمْغَمَتَها وهي تَسْتَلُّ من بطنِ الأرضِ السَّبِخةِ من جوفِ نارِ السَّمومِ عِفريتاً من الجان…

عادتْ وألقت حفنةً أُخرى بعد أن حَضَرَ الكائنُ النَّاري فغشي الغرفةَ ضبابٌ رهيب وقامتْ بالتسخيرِ والعقدِ بسحرٍ لا يُقهر من بقايا هاروت وماروت وعقدت اتفاقها مع إبليس وكادت كيدا …

لم تعُد العصافير تُحلق في تسبيحةِ الغُروب.. والعُصفورُ العاشِقُ لم يعُد راغباً في العودةِ إلى عُشِّه.. وأحاديثُ المساء الحميمة لم تعد حميمة بل لم يعد هُنالك من أحاديثٍ سوى الصمت الذي تحوَّلَ مع مرورِ الأيامِ إلى سورٍٍ شاهقٍ لا يُمكنُ تجاوزهُ ولا حتى بِعصا القفزِ الطويلة …

ولم تكتفي تلكَ النَّفسُ السَّقيمةُ بذلك بل بَدأت تحفرُ نفقً تتسعُ هُوَّتُهُ كُلما ألقت فيهِ من سِحرها وشعوذتِها ..لم تعُد راغبةً بوجودِ هذه النُّهى النَّكِدة.. لم يعُد لها من داعٍ …وطِفلها الحبيب سيكتفي بأمَّهِ الحنون… وهكذا حاكتْ الفتنةَ إثرَ الفتنة …وعزفتْ على وترٍ نشاز وبتكتيكٍ جهنميٍّ مدروس تحوَّل الصَّمتُ إلى قُنبلةٍ موقوتةٍ أشعلت فتيلها بعد أن سكبتْ من الأكاذيبِ المُغمسةِ بسُمِّها النَّقيعِ في أُذنهِ حتى تشبَّعت … فالوشايةُ كانت هِوايتها المُفضَّلة واختلاقُ الأمورِ وتحويرِها فنٌ لا يُضاهِيها فيهِ أحد ..عدا عن احترافها الكذِب بإتقان…

كان الانفجارُ مدوياً في القلوبِ والخسائرُ شاسعة في المشاعر…
والحرائقُ المُشتعلة لم يُخمدها سوى ورقةٌ بيضاء كغيومٍ صيفيةٍ تلبَّدت في غيرِ أوانها فكان الهُطولُ بالأسودِ المَّقيتِ الذي سالَ بِنَزَقٍ مُقْرِفٍ في حروفِ كلمةِ “طالق”…

هو لم يَفهم كيف انقلبت الأمور هكذا فُُجأة ..ولم يفهم لم أصبح يكرهُ زوجته.. ولِمَ أصبحَ يشمئزُّ من وجهها الذي كان في يومٍ ما قِبْلَته… ورائحتها التي كانت في يومٍ ما جنته , وصوتها الذي كان في يوم ما كأعذبِ تغريدٍ لكروانٍ سمعهُ قط…

لم يفهم سَبَبَ غثيانهُ كلما حاولَ الاقترابَ منها ..ولا قرفهُ كلما حاولَ لمسَها ولا لم يُحسُ بهذا الصَّداعٍُ الرَّهيبُ الذي ينهالُ على رأسهِ كمطارقَ من الحديدِ الصُّلب تفتكُ بأعصابِهِ عصباً تلوَ الآخر كُلما جَمَعَهُما سرير..وابتعد حيثُ كان الابتعاد لا مفرَ منه..لكنَّ قلبهّ ظلَّ معلقا بها رُغم نُفُوره…

هي على الرُّغم من رفضها لأن تكونَ مُجَرَّدَ دُمْيَةٍ خُيُوطها مُعلقةٌ بأصابعِ اليد الخفية التي تتلاعب بها من وراء السَّتار وتتحكمُ بمصيرها بجبروتٍ وتعنُّت لا مثيلَ له على الرُّغم من كل ذلك حاولتْ الاقتراب ..حاولت هَدْمَ السُّور ومن ثم اجتياز النَّفق ..عانتْ كثيرا من فقدانها لنفسها وكرامتها في أثناء ذلك لكنَّها لم تيأس لأنها تُحبه
وإلى جانب معرفتها التي تجلَّت لها منذ أول مواجهة بينهما علِمت بأن أي معركة ستخوضها ويكون الطرف الآخر فيها تلك اليد الخفية فهي ستكون الخاسرة ولاشك ..وكانت النهاية قد كُتبت في ورقة بيضاء.. وما أوحشَ أن يكون للبياض لونٌ آخر .. لونٌ خاذلٌ كالفراق..

أسئلةٌ كثيرة قفزت إلى عقلها كالجراد المنتشر وهي تمسك بتلك الورقة .. أسئلة كانت غائبة عن بالها ولم تنتبه لها إلا مؤخرا.. كانت تحاول أن تجد تفسيرا لكل الأحداث الغريبة التي مرت بها هناك في ذلك المنزل ..فمثلا هي لم تستطع يوما تفسير الوظيفة المرموقة التي هبطت فجأة على ضياء الأخ الأصغر لجلال مع أنه لا يملك سوى الشهادة الإعدادية وعلى الرغم من فشله وعربدته … ولم تستطع تفسير زواج أخته الصغرى سوسن من ثريٍّ كان ينوي في الأصل الزواجَ من إبنة الجيران ..ولا سر الغرفة المقفلة التي تذكر بأنها عندما سألت جلال عنها أخبرها بأن أمه تخصصها للعبادة لأنها لا تود أن يزعجها أحد أثناء أداء صلواتها !! ..هي لا تستطيع حتى ُالآن تفسير أحجية طلاقها …

النُّفوسُ الشَّرهة كالجحيم كُلما ألقَمْتَها ما تَشْتَهي قالتْ هل من مزيد ؟..

وتلك النَّفسُ المُتعفنة كانت فادحة الشَّراهة وما آلت إليهِ الأمور جعلها تُحسُّ بالرضا بما أنجزته حتى وإن كانَ على حِسابِ تحطيمِ كيانٍ مُقَدَّس له حُرْمَتَهُ عند الله ..أسكرتها نشوة الانتصار وما عادت تسمعُ سوى صدى صوت الشيطان الذي نادمها كأسَ الفوزِ محتفلا ..

وأخيرا تخلصتْ من خصمِها اللَّدود واسترجعتْ ما كانَ لها ..حبُّ جلال ووقتُ جلال واهتمامُ جلال والأهمُ من ذلك راتب جلال … ولن يتقاسمهُ معها أحد ..
وحتى ضغطُ دمِها عاد طبيعياً وتحسنت صِحَّتها ..إلا أن روحها المدنَّسة بالخطايا كانت تهوي للحضيضِ يوماً بعد يوم ..

كان شعرها يزدادُ ابيضاضاً بعكسِ وجهها الذي يزدادُ اسوداداً وقلبها الذي يزدادُ عتمة .. حتى أنها لم تلاحظ ولدها وهو يذوي بين يديها كغصنٍ التهمتهُ نيرانُ أنانيتها ولم تُبقي منهُ سوى الرَّميم …

أشعلتْ البّخور كعادتها وتصاعدَ الدُّخانُ كثيفاً وأخذت تُغمغمُ بطلاسِمِها المُبْهمة تُجَدِّدُ عهدها مع إبليسِ الذي تبسَّم وهو يُراقبها حتى بانت أسنانهُ وفركَ كفيهِ طرباً وحرَّك ذيلهُ منتشيا ..
- تلميذةٌ نجيبةٌ تفوقت على أُستاذها وفاقتهُ مكراً ودهاءً …
أحست بالدُّوار فتمددت على سريرها وغفتْ على هدهدةِ الشَّيطان الذي مضى مُبتعداً فلم تعُد بحاجة إليه بعد الآن ..آن له أن يبحثَ عن طريدةٍ أخرى …
وغطَّت في نومٍ عميق ..عميق لدرجةِ أنَّهُ لا يقظةَ من بعده…

الجنازةُ في طريقها للمقبرة ودموعهُ تُشَيِّعها والقبرُ فاغرٌ فاهُ لِيَلتقِمها ..توسَّدت مصيرها الذي كانت في غفلةٍ عنه …وقبلَ أن يُهال التُّرابُ
على جسدِها التفَّت أفعىً سوداءَ مَهولة حول عُنُقِها وفتحتْ فمها ولدغتْ بأنيابها الحادة وجهها الذي اسْوَدَّ في لحظةٍ واحدة كقِطعةٍ من الفحم ومن هنا انفتحت بوابةَ البَّرزخ على الجحيم ..والأعيُنُ… كلّ الأعين لم يتبقى في صفحةِ أحداقها من ذكرىً لها سوى الرُّعب.. الحيرة ..والذهول ….

” ولا يُفلِحُ السَّاحرُ حيثُ أتى “

*الإكليل منزلة من منازل القمر الثمانية والعشرين الفلكية ويظهر أن لكل منزلة تأثير في حالات البشر

دماءٌ على فستان الزفاف

كانت الشمس تتفنن في تسليط أشعتها الملتهبة كأي ظهيرة من أيام شهر آب الحارقة..وكنتُ أتذمر وأنا أستعد للذهاب إلى الصالون هكذا مبكرا ..وأخي الآخر يتذمر لأنني تركته ينتظرني في السيارة مدة طويلة قبل أن أخرج..حيث أخذ يزمر ببوق السيارة ألحانا نشازا ليستعجلني مما أثار استيائي فعبستُ في وجهه وأنا أركب إلى جواره في المقعد الأمامي ..أخذ ينظرُ لي وقد حاول عبثا حبس قهقهة ساخرة من أن تنفجر في وجهي وهو يراني مقطبة الجبين وقد عضضتُ على شفتي من الغيظ ..ولكنه لم يتمكن من ذلك فأخذ يضحك ضحكته المجنونة وهو يقلدني فما كان مني إلا أن لكمته على ذراعه وأنا أزئر: ما بالك لم آنت هكذا دائما..تحاول إغاظتي أنا عروس ويجب أن تدللني خصوصا في يومي الخاص هذا..وبينما أنا أوبخه رن هاتفي المحمول ..فتبسمتُ بفرح طفلة تستلم هدية كانت تنتظرها بشوق طبعا نسيت غضبي وأنا أنظر للشاشة تضيء بسم حبيبي ..رددت بأسرعِ من البرق الخاطف وأنا أهمس: أهلا بمن أهوى ..أنا الآن في طريقي للصالون ..لا لا تستطيعُ رؤيتي ..يجب أن تشتاق لي ..كما أنا مشتاقة لك وان تتفا جأ بطلتي هذه الليلة ..أعلم بأنك لم ترني منذ ثلاثة أيام بلياليها ..لست قاسية بل أنا أتضور جوعا لعينيك ..ماذا أفعل ..لا لا يجوز أن تسترق النظر ..ستراني هذه الليلة وكل العمر ..بل إنك ستمل مني ..ههههههه لا أصدقك..تقول هذا الكلام الآن ..سنرى ما ستقول بعد سنة واحدة..وبينما أنا أتحدث وصلتُ الصالون ..توقف أخي أمام الباب مباشرة..ودعتُ خطيبي وأغلقت الهاتف ..نظر لي أخي مبتسما ..ما أجملك يا أختي الصغيرة ستكونين عروس رائعة ..اتسعت ابتسامتي وقبلته على جبينه ..ما أغلاك في قلبي يا أخي الوحيد أشكرك كثيرا لأنك دائما إلى جانبي ..نزلتُ من السيارة وقد ساعدني في حمل الأكياس الثقيلة التي تضم في حناياها فستان زفافي وباقي الإكسسوارات والمكملات ولم أنس باقة الورد الحمراء التي اخترتها لي لأنك تحب اللون الأحمر ..وخطرت لي فكرتك المضحكة بأن يكون لون فستان الزفاف أحمرا أيضا ..يا لسذاجتك يا حبي ..ابتسمتُ وأنا أتناول بقية الأكياس من يد أخي وودعته بقبلة في الهواء لأبدأ مشوار العناء في صالون التجميل..جلستُ على أحد الكراسي أنتظر دوري وأنا أتأمل النساء وهن يتزين وأفكر أيا ترى هل هن سعيدات مثلي؟؟ ..حاولتُ أن أتشاغل عن ضجيج السشوارات والأحاديث الأخرى التي لا تهمني بأحلام اليقظة التي اعتدتُ عليها..أتخيلني زوجة ..أشاطر نصفي الآخر أحاسيسي وأفكاري وأحلامي..واقتسم معه السعادة والهموم..كما نقتسم رغيف الخبز ..وتنمو معه روحي لكمالات تعانق السماء في رقيها ..كانت هذه الخيالات اللذيذة تداعبني كلما اقتربَ موعدُ زِفافُنا فأرتعشُ من شدةِ الشوق ..وكنتُ أعدُ الأيامً لا بل والدقائق التي تفصلنا عن بعضنا البعض.. وكان عزائي أنني كنتُ أعلمُ بأننا ستكونُ معاً قريباً..نظرت ُ للفستانَ الأبيضَ الذي حِكتُهُ في خيالاتي ووشيتهُ بخرزُ أمنياتي.. حتى قبل أن يحيكه الخياط وحرصتُ على إخفائهِ عن أعينِ الجميع…حتى عن عينيك ليكون مفاجئة الحفل…
وهاهو اليوم المنتظر قد حان ..وإحساسي بالفرحة لا يوصف وكأنني سأزفُ للجنة…سأنامُ الليلةَ بين ذراعيكَ يا حُلمي..وستجمعُنا وسادةً واحدة…قطع انسيابية أفكاري صوت الكوافيرة وهي تناديني فقد حان دوري ..طلبت كأس ماء قبل أن أجلس على الكرسي المخصص لتصفيف الشعر..فقد جف حلقي من شدة العطش ..واستلمتني يد امرأة ثلاثينية ترتسم في أحداقها نظرة حزينة على رغم ابتسامتها الباهتة ..وهاهي تسرح شعري وهي تثني على طوله ونعومته فأتذكرك وأنت تتغزل بي وكفك تمسح على شعري ..وأنت تتشاجر معي كلما قلت لك بأنني أفكر في قصه . …وبينما كنت تائهة في ملكوتي سمعت صوت تحطم زجاجي بجواري فنظرت حولي وإذا بقطع الزجاج مبعثرة على أرضية الصالون بعد أن وقع كأس الماء من يد العاملة ..فأحسستُ بالانقباض في صدري وخفقانٌ لا يهدأ بين ضلوعي وقلقُ يتآكلني كالسوسِ ينخر في رأسي؟؟ ..خيرا اللهم اجعله خيرا .. وبدأ الضيقُ يتلبسني ..وأحسستُ بأنني أريدُ البكاء.. اوووه…اللعنةُ عليكً يا إبليس الرجيم..لا تفتأُ تستلبُ مني الفرحَ حتى في أسعدِ أيامِ حياتي..أكره هذا التطير الذي نشأ معي منذ صغري
وهذه الحاسة التي تجاوز المحسوس ..والتي لا تخذلني أبدا ..خصوصا في تحسس أسوأ الأمور…”أعوذُ بالله منك ومن وساوِسِك يا خناس “استعذتُ باللِه وصليتُ على النبيِ محمدٍ وآل محمد..يجب أن أَطرد ضباب الأفكارُ السوداءُ من رأسي.. فهذا هو اليومُ الذي انتظرتهُ بفارغِ الصبر و لن أفسدهُ بتوهماتي ..لا بد وأنه الخوف المعهود الذي تحس به كل عروس مع اقتراب موعد الزفاف.وبعد أن انتهيت من تصفيف شعري انتظرت مرة أخرى حتى يحين دور التبرج ووضع لمسات الماكياج الفنية…فتشاغلت بالنظر للحناءُ الذي نُقش بحِرفيةٍ رائعةِ في يديَّ ورجليَّ ..أنت لا تحب رائحة الحناء ولكنك ستحتملها لأجلي أليس كذلك يا توأم روحي ..لا أريد أن أبدوا كلوحة زيتية بل أحب أن أبدو طبيعية إلى أقصى درجة فقط أريدك أن تبرزي عيني بالكحل الأسود..وقلت في قلبي كما يحب حبيبي ..هكذا خاطبت فنانة الماكياج التي حملت الفرش والألوان وكأنها تشرع في تلوين منظر طبيعي..
..تأملتُ نفسي في المرآة بعد أن أكملت الفنانة وضع لمساتها الدقيقة …وقد لاحظتُ نظرات الإعجاب في أعين النساء حولي و سمعت أكثر من تعليق يشيد بجمالي ويتمنى لي حياة سعيدة ..اتصلتُ بأخي كي يقلني من الصالون ..لم يتأخر فهو دقيقٌ في مواعيده على عكسي تماما ركبتُ السيارةَ في لهفةٍ وكشفتُ وجهي لأخي فأخذ يُصفر ..من أنتِ؟؟أحضري أختي بسرعة ..فاتسعت ابتسامتي ..لا تجاملني قل الحقيقة..نظر لوجهي بحنان : أنتِ جميلة بكل الأحوال يا أختي ….نظرتُ للساعة ..هيا يا أخي أسرعَ حتى لا نتأخر ..وصوتٌ في قلبي منعني الحياء من الإفصاح عنه: لا أريد لحبيبي أن ينتظرني طويلا ..
ياااااااه …أنا متوترة وأحس بمغص في بطني …لا يفصلنا الآن سوى بضعة شوارع ..
وها نحن نقترب…. أكاد أرى أضواء النيون التي تزين بيتنا تلمع من بعيد…كان الازدحامُ غير عاديٍ في الشارعٍ المقابٍل لبيتنا,,مع أني كنت أتوقع حضورا كبيرا لحفل زفافنا فمعارفنا كُثر..ولكن لا أدري لم أُحس بوجود شيء غريب و هذه الأصوات..هذه الأصوات اللعينة..لم لا أستطيع تمييزها إن كانت زغاريدُ أم عويل ..ولكن لماذا العويل؟؟يا لبلاهتي ..لمَ أُفسد فرحتي بهذه التوجسات الغبية ..توقفتَ سيارتنا في طابورٍ طويلٍ بسبب اكتظاظِ الشارعِ بالمدعوين..هذا ما تبادر لذهني في بداية الأمر ..ولكن الهلع أخذَ يستولي على جوارحي حينما تناهى لمسامعي صوتُ صافرةِ الإسعاف..وتجمهرُ الناس في وضعٍ مريبٍ يشي بكارثة..كانوا وكأنهم متحلقين حول شيء ما ..أخي أنا خائفة ..حاول أخي طمأنتي ..لم الخوف الآن يا عزيزتي ..كان التوجس قد وصل لأقصاه.. ولم تعد محاولات أخي لتهدأتي تجدي نفعا كلما طال وقوفنا خصوصا عندما رأيتُ الرجالُ تتراكضُ والنساء تحثُ الخطى.. لم أقوى على الانتظار أكثر من ذلك .. حاولَ أخي منعي من الخروجِ من السيارة ولكني خرجتُ بعد أن أحكمتُ وضع المشمر الأخضر”الزري” المزينُ بنقوشٍ ذهبيةٍ كعادة العرائس..وغطيتُ نفسي جيدا..وحملت ثوبي الثقيل بيدي كي لا يبطئني ..وأخي من خلفي يناديني : إلى أين تذهبين هكذا أيتها المجنونة ..كنت أحاول طي المسافة التي تفصلني عن البيت ومع أنني تعثرت بضع مرات بسبب الكعب العالي ..إلا أنني تابعت المسير..وإحساسُ بغيضُ في داخلي ينمو كحريقٍ يلتهمُ روحي…فكرةٌ رهيبةٌ تَغرزُ مخالبها في رأسي..لا ..لا أرجوك يا ربي لا تفجعني فيمن أُحب..أخذتُ أهمُ الخُطى حيثُ كانت الناس محتشدة ..التفتُ يمنةً ويسرة..وعينايَ مُرتعبتان ..وبينما أنا على هذه الحال استوقفتُ احد المارةِ وسألتهُ عما يجري فأخبرني بوقوعِ حادثِ سيٍرٍ خطير ,, لم انتظرهُ ليُتِمَ كلامه بل رحتُ أركضُ دونَ وعيٍ مني …لحق بي أخي واستوقفني .. ولكني لم أستمع له بل حاولتُ التسللَ بين الواقفين وفكري يعتملُ بأبشعِ الخواطرِ الشيطانية ازداد يقيني بما فهمتهُ لاحقاً بعدما رأيتُ بقعاً من الدماءِ المتناثرةِ على الأرض.. دارت الدنيا في عينيَّ وكأنني في يوم الحشر حاولتُ أن أسدَ أذنيَّ عن هذا الصوت المخيف ولكن دون جدوى ..
دفعتُ من يعترضون سبيلي بكلتي يدي.. في هذه الأثناء لمحني والدي فانطلقَ مُسرعاً إليَّ واحتضنني .. محاولاً إبعادي..محاولاً منعي من روية ما أمامي..ولكنني كنت مصممةٌ على معرفة ما يجري.. فانسربتُ بسرعة من بين ذراعيه وانحشرتُ مرةً أخرى بين الكتلِ البشرية..وأنا أصرخ هذه المرة دون وعي : ابتعدوا عن سبيلي ..أرجوكم ابتعدوا
وقعت عيناي أخيراً على ما كنتُ أخشى حيثُ الناس محتشدون كالنمل حول قطعة السكر
وليتَ الأرض ابتلعتني في هذه اللحظة..ولم أرى ما رأيت..وفجأةً توقفَ الزمان.. وكأن الأرض توقفت عن الدوران.. لم أكن أسمع شيئا مما يدورُ حولي..رغم الضجيج ..
إن هذا الجثمان الممدد أمامي على الإسفلت مألوف بالنسبة لي..لا ..بل أنا واثقة تمام الثقة بأنني أعرفه..ولكنني في هذه اللحظة بالذات حاولتُ أن أُنكر هذه الحقيقة..أولم استطع تمييز ملامحه!!..أم أنني كنت أخادع نفسي؟؟..تلك الملامحُ التي أحفظها عن ظهر قلبٍ أيُعقلُ أنني لا أستطيعُ تمييزها!!..وبحركةٍ لا إرادية ارتميتُ على الجسدِ المُسجى..واقتربتُ من ذلك الوجه الجميل الذي اصطبغت تقاسيمُهُ بالدماء..فما كان مني إلا أن مسحتها برقةٍ بثوبي الأبيض الذي تلطخ باللون الأحمر في ثوان..ورأيتُ وجههُ الحبيب..وجههُُ الملائكي الذي لم يكن يفارقني حتى وإن أغمضتُ عيني..ضممتُهُ إلى صدري كأمٍ حنون وهمستُ في أذنه
أُدللــه باسمه المحبب إلى قلبي..لكنهُ لم يجبني…هززتهُ بقوةٍ وضممتُهُ مرةً أخرى بشدةِ أكثر من ذي قبل.. رجوتهُ بأن يفتحً عينيهِ ليراني متزينةً لخاطره ..رجوته ألا يتركني ..فالليلة سنكونُ معاًً ..سيُقفلُ علينا باب..سنتسامرُ حتى يطلع الفجر..
بكيتُ حتى اختلطت دموعي بدماه..وكانت أحلامي تتهاوى مع كل قطرة دم تنهمر من ذلك الجسد النفيس..ها هو الفستان أصبح أحمرا كما تحب يا عريسي …عانقته وكأنني أهدهدهُ في غفوتهِ الأخيرة..وكأنني لم أكن أدرك بأنني أعانقُ الموت..اقتربَ والدي وأخي مني وهما يهمهمُان بكلامٍ لم أكن لأفهمهُ من شدةِ ذُهولي
في محاولةٍ لإبعادي ولكنني انتفضت بشدةِ كطيرٍ جريح..كُسِر جناحاهُ قبل أن يطير..
وكلي إصرارٌ بأن أبقى هنا ويبقى وجههُ الحبيب على صدري..تقطع قلبُ والدي وهو يراني على هذه الحال..فانتزعني بقوةٍ وحملني بين ذراعيهِ وأنا أقاومهُ بكل ما أوتيتُ من قوةٍ ..وكأنني أُعاندُ الموت.. لا ..لا أستطيع أن أعاند الموت ولكني أستطيع أن أترجاه ” يا أيها الموت خذني معه” ..ولكن دون جدوى..غاص أبي في الزحامِ مبتعداً بي..وأنا لا أسمع في أذني سوى حوقلة الناس واسترجاعهم من حولي..” لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم إنا لله وإنا إلية لراجعون ” أغمضتُ عيناي في شبهِ غيبوبةٍ..وكأنني أتشبثُ بوجه حبيبي الذي لن أرهُ مرة أخرى..

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.